صبحي الصالح

82

مباحث في علوم القرآن

عددها ، لأنّنا لا نملك مستندا صحيحا يؤكّد وجودها في زمن ما « 1 » . وجدير بالذكر أن هذه المصاحف لم تصل إلينا ، وإنما وردتنا نصوص عن ترتيب السور فيها وبعض أوجه قراءاتها ، وما تبرح في كثير من جوانبها بحاجة إلى الفحص والتدقيق « 2 » . ولكن قرار عثمان بإحراقها « 3 » كان حكيما بلا ريب لأن بقاءها كان لا بدّ أن يزيد في أسباب الشّقاق ، ولا سيما وقد بعد عهد الناس برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقد وقع عمل عثمان من قلوب الناس موقع القبول والاستحسان « 4 » إلا عبد اللّه بن مسعود الذي كان له - كما رأينا - مصحف خاص به ، فإنّه عارض في ذلك في بادئ الأمر ، وأبى أن يحرق مصحفه « 5 » ثم ألهمه اللّه أن يرجع

--> ( 1 ) من ذلك ما ينسبه ابن أبي داود في ( كتاب المصاحف ص 50 وما بعدها ) إلى عمر بن الخطاب من القيام بجمع مصحف خاص به . ويحلو للمستشرق شفالي أن يذكر ذلك في دراسته القرآنية : انظر : ( schwlaay , die sammlung des qorans , ll , 27 ) ولكن المستشرق بلاشير كان أبعد نظرا وأوسع أفقا حين أدرك أن روايات ابن أبي داود في هذا الصدد لا تؤكد نسبة مصحف خاص إلى عمر ، وإنما تشير إلى بعض أوجه القراءات الخاصة التي آثر عمر أن يقرأ القرآن عليها . انظر : ( blachere , introduction au coran , 35 ) وراجع في الصفحة نفسها الحاشية 37 ( note 37 ) . ( 2 ) وهنا لا يرى بلاشير بدا من الاعتراف بضرورة الاستناد إلى النصوص الصحيحة إذا أردنا أن نعرف شيئا عن تلك المصاحف . انظر blachere , intr . cor . p . 37 . ( 3 ) نطق حديث البخاري - كما رأينا - بإحراقها . ولكن ابن أبي داود يأبى إلا أن يذكر عددا من الروايات المتضاربة في هذا الموضوع ، فيتردد بين إحراق الصحف وتمزيقها وقذفها في الماء ( انظر كتاب المصاحف ص 13 ، 16 ، 20 ) . ونحن بلا ريب إنما نأخذ برواية البخاري الصحيحة ، فلا داعي للتردد ، فلقد أحرقت تلك المصاحف ، وكفى اللّه المؤمنين شر بقائها . ( 4 ) كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 12 . ( 5 ) ويضعون في فيه رضي اللّه عنه عبارات يعرض فيها بزيد بن ثابت الذي كان في صلب أبيه حين اعتنق ابن مسعود الإسلام ( ابن أبي داود ص 17 ) أو كان يلعب مع الصبية حين كان ابن مسعود يحفظ بضعا وسبعين سورة أخذها كلها من فم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( انظر طبقات ابن سعد ج 2 القسم الثاني ص 105 وكتاب المصاحف لابن أبي داود ص 15 ) . ولكننا نستبعد صدور هذه الأقوال عن ابن مسعود ، وإن صدرت فهي لا تدل إلا على الانفعال الذي اعتراه حين نحي عن لجنة جمع القرآن ونسخه . ومع ذلك فإن ابن أبي داود -